الشيخ محمد الصادقي
12
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فهذه شرذمة من التقوى وإليكم جماعها من إمام المتقين ويعسوب الدين حيث يصف المتقين عن بكرتهم لمن يستوصفهم : « 1 » « أما بعد فان الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم ، آمنا عن معصيتهم ، لأنه لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدنيا مواضعهم . فالمتقون فيها هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الإقتصاد ، ومشيهم التواضع ، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ، ووقفوا اسماعهم على العلم النافع لهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء ، ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحلة طويلة ، تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ، ارادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ، أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا انها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها
--> ( 1 ) هذه الخطبة إجابة لمهام صاحب له عليه السلام حين قال : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم فتثاقل عليه السلام ثم قال : يا همام « اتق اللَّه وأحسن » ف « إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ » فلم يقنع فخطب عليه السلام هذه الخطبة فلما انتهت صعق همام صعقة كانت نفسه فيها